مجمع البحوث الاسلامية

138

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

من الفريقين من السّور الحائل بينهما ما يناسبهما من الرّحمة والعذاب ، والبحث فيها مشروحا موكول إلى « ن ف ق » ، إلّا أنّنا نشير هنا إلى نكات : منها : أنّ الآيتين تجعل كلّا من الفريقين بوصف المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات إلى جانب الآخر بأسلوب متقارب : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ، يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ ، تركيزا في التّمييز بينهما واضحا جليّا ، فتجعل المؤمنين والمؤمنات في صفّ من دون فرق بين الذّكور والإناث ، والمنافقين والمنافقات كذلك في صفّ مقابل لهم . ومنها : أنّ الهادي إلى الجنّة يومئذ هو نور الإيمان المكتسب في الحياة الدّنيا . ومنها : أنّ طريق الفريقين عبر النّار ، كما قال : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها مريم : 71 . فإذا تجاوز الفريق الأوّل النّار ضرب بينهما بسور ، هو الحائل بين الجنّة والنّار ، ويبقى الفريق الثّاني خلف السّور مخلّدا في النّار . ومنها : لعلّ وجود الباب في السّور بعد مرور الفريق الأوّل تذكار للفريقين : للفريق الأوّل شكرا منهم بأنّهم نجوا ممّا خلف الباب من النّار ، وللفريق الثّاني حسرة منهم بأنّهم بقوا خلفه ولم يتجاوزوه ، وانتظارا منهم لينفتح يوما مّا ، والانتظار أشدّ من العذاب . وهناك وجه آخر ، وهو أنّ الباب بقي ليدخله من يشمله الغفران بعد مضيّ مدّة من العذاب عليه ، فهو من هذه النّاحية باب الرّجاء لأهل النّار . ومنها : أنّ الباب ذو وجهين متضادّين من الرّحمة والعذاب ، إلّا أنّ الرّحمة في الوجه الباطن الّذي يلي الجنّة دار المؤمنين ويغلق ويقفل على من بقي خلفه ، وظاهره يلي النّار دار المنافقين . ويخطر بالبال أنّ هذا الباب نموذج كامل ومظهر تامّ من النّفاق ، فالمنافق ذو وجهين ، له باطن وظاهر ، والمعيار للنّجاة هو الباطن دون الظّاهر ، فإذا خالف الظّاهر الباطن - كما هو حال المنافق - فهذا الظّاهر مثار العذاب بدل أن يكون مثار الرّحمة ، كما يزعمه المنافق ، بل الرّحمة في جانب الباطن الّذي كان عليه المؤمنون ، والعذاب من جانب الظّاهر الّذي كان عليه المنافقون . ولعلّك تقول : إنّ المنافقين باطنهم الكفر دون ظاهرهم ، فينبغي القول بالعكس ، فنقول : نعم ، لكنّهم استتروا وراء هذا الظّاهر حفاظا على أنفسهم ، فأنّبهم اللّه بأنّ هذا الظّاهر الّذي باطنه الكفر هو مثار العذاب الأشدّ عليهم ، إضافة إلى عذاب الكفر الباطن . فهم أسوء حالا من الكفّار الّذين لهم وجه واحد ، وهو الكفر ظاهرا وباطنا ، فلهم عذاب واحد . ومن هنا ينشأ وجه ثالث ، لوجود الباب في السّور ، وهو أنّ باب النّفاق مثّل أمام المنافقين ليتذكّروا حالتهم الخبيثة في الحياة الدّنيا ، فيتأسّفوا لها ، ويعترفوا باستحقاقهم النّار عدلا من اللّه . سابعا : لو مررنا مرّة أخرى على آيات « الباب » و « الأبواب » ، لوجدنا ستّا منها مدنيّة ، وهي ( 1 ) و ( 2 ) و ( 4 ) و ( 8 ) و ( 17 ) و ( 24 ) ، والباقي مكّيّة ، وسياق ستّ منها مدح وثناء ، وهي ( 4 ) و ( 7 ) و ( 8 ) و ( 16 ) و ( 17 ) و ( 18 ) ، وسياق الباقي ذمّ وهوان . وجاء في النّوعين